ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

49

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

بالواو ؛ فطريقة أنه لما قال : أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه أن يكون معناه وجدناه غافلا ؛ فقد غفل لا محالة ؛ فكأنه قال : ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه : أي لا تطع من فعل كذا وكذا ، يعدّد أفعاله التي توجب ترك طاعته ، فاعرف ذلك . وأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها ، وقد علم أن « في » للوعاء ، و « على » للاستعلاء ، كقولهم : زيد في الدار ، وعمرو على الفرس ، لكن إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن الأولى . فمما ورد منه قوله تعالى : قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر هاهنا ؛ فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض به حيث شاء ، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري أين يتوجه ، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام ، وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور ؛ فيقول له : أنت على ضلالك القديم كما أعهدك ، فيأتي بعلى في موضع في ، وإن كان هذا جائزا ، إلا أنّ استعمال « في » هاهنا أولى ؛ لما أشرنا إليه ، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف : قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم . ومن هذا النوع قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فإنه إنما عدل عن اللام إلى « في » في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام ؛ لأن « في » للوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء ، وأن يجعلوا مظنة لها ، وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص ، وتكرير « في » في قوله : وفي سبيل